ابن عربي
37
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
المتيمين ويعني بأختها جميل بن معمر « 1 » مع بثينة وبياض ورياض وابن الدريج ولبنى وغيرهم . يقول : الحبّ من حيث ما هو حبّ لنا ولهم حقيقة واحدة غير أنّ المحبين مختلفون لكونهم تعشقوا بكون وإنا تعشقنا بعين والشروط واللوازم والأسباب واحدة ، فلنا أسوة بهم فإنّ اللّه تعالى ما هيم هؤلاء وابتلاهم بحبّ أمثالهم إلا ليقيم بهم الحجج على من ادعى محبته ولم يهم في حبه هيمان هؤلاء حين ذهب الحب بعقولهم وأفناهم عنهم لمشاهدات شواهد محبوبهم في خيالهم ، فأحرى من يزعم أنه يحبّ من هو سمعه وبصره ومن يتقرب إليه أكثر من تقربه ضعفا . بذي سلم والدير من حاضر الحما * ظباء تريك الشّمس في صورة الدّمى ذو سلم : مقام ينقاد إليه لجماله والدير حالة سريانية وحاضر الحمى ما طاف بحجاب العزة الأحمى . ثم شبه ما ينزل على روحه من الحكم الإلهية النبوية بالظباء في شرودها وملازمتها الفيافي التي هي مقام التجريد ، وبالشمس من نورها وشموسها وسريان منافعها ، وبالدمى صور الرخام وهي المعابد السريانية العيسوية معارف لم يقترن معها عقل ولا شهوة فجعلها جمادية فإنّ الجماد والملك مجبولان على المعارف من غير شهوة ولا عقل والحيوانات فطروا على المعارف والشهوات ورفع عنهم الحرج في ذلك من جانب المطالبة الإلهية ، والإنسان والجن فطروا على العقول والشهوة وجعل لهم القوة والفكرة وسائر القوى لتحصل المعارف ، فعقولهم لردّ شهواتهم لا لإفشاء العلوم . فأرقب أفلاكا ، وأخدم بيعة * وأحرس روضا بالرّبيع منمنما فمن كون هذه المعارف شمسا قال : أرقب أفلاكا أي أرصد مجاريها التي تدور بها وفيها ، وهي الحالات التي تظهر فيها هذه المعارف في باطنه . ويقول : ومن حيث هي دمى أي صورة الرخام أخدم بيعة لأنها محل هذه الصور وهي المعابد السريانية العيسوية من مقام الكلمة والروح ويقول : ومن حيث هي ظباء أحرس لها روضا بالربيع منمنما لتسرح فيه وهي ميادين المعاملات والأخلاق الإلهية ، والمنمنم الموشى بضروب الألوان أي أنها مزينة بالحقائق الإلهية وجعل لها الربيع لأنه زمان استقبال الشباب لحداثتها وطروها من قوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] فهو أعشق للنفوس وأمكن في القبول ، لأن اللذة بالجديد الطارىء أعظم في النفس من
--> ( 1 ) هو جميل بن عبد اللّه بن معمر العذري ( توفي 82 ه - 701 م ) ، القضاعي ، أبو عمرو ، شاعر من عشاق العرب . افتتن ببثينة ، من فتيات قومه ، فتناقل الناس أخبارهما . شعره يذوب رقة أقل ما فيه المدح ، وأكثره في النسيب والغزل والفخر . وكانت منازل بني عذرة في وادي القرى ، ورحلوا إلى أطراف الشام الجنوبية ، فقصد جميل مصر ، وافدا على عبد العزيز بن مروان فأكرمه عبد العزيز وأمر له بمنزل فأقام قليلا ومات فيه ، ولعباس العقاد كتاب « جميل بثينة » الأعلام 2 / 138 ، وابن خلكان 1 / 115 ، وابن عساكر 3 / 395 ، والشعر والشعراء 166 .